خليل الصفدي
236
أعيان العصر وأعوان النصر
ولما استقرّت الأحوال وثبت ملك الصالح ، أمر بتجهيز العساكر من مصر والشام ؛ لحصار الكرك فتوجّه الناس ، وكلما حضرت فرقة توجّهت فرقة من مصر والشام ، فيجرح من هؤلاء ومن هؤلاء ، ويقتل منهم جماعة ، وهلك الناس أجمعون بسببه من التجاريد ، وسخّر الناس لحمل الإتيان والشعير والمؤن للعساكر ، وجرّ المجانيق والأثقال والسلاح ، وآلات الحصار من الدبّابات وغيرها ، وطال الأمر ، ولم يبق أمير في مصر والشام ؛ حتى تجرّد إليه مرة ومرتين . قال لي الأمير بدر الدين جنكلي بن البابا - رحمه اللّه تعالى - الذي خصني على الناصر في كلفة قدومه من التقدمة له ، ومن النفقة على التجاريد ، والتوجّه إليه ألف ألف وأربعمائة ألف ، وأمسك بسببه جماعة من أمراء مصر ، ثم أمسك نائب مصر السلاري ، ووسّط الأمير سيف الدين بكا الخضري ، ومعه جماعة من المماليك السّلطانية ، وأمسك أخوه رمضان وأخوه يوسف ، وقضى اللّه أمره فيهما ، وأخذ أمر الناصر أحمد في التلاشي ، وهلك من عنده من الجوع ، وذبح تلك الخيول الثمينة والأبقار والأغنام وقدّدها ، وضرب الذهب دنانير ، وخلط فيها الفضة والنحاس ، وكان يباع الدينار بخمسة دراهم ، وهرب الناس من عنده . ثم إن الأمير هام الدين سنجر الجاولي جدّ في حصاره ؛ لأنه وقف يوما من القلعة وسبّه ولعنه وشيخه ، فقال له : الساعة أفرّجك كيف يكون الحصار ! ، ونقل المنجنيق إلى مكان يعرفه ورمى القلعة ، فوصل الحجر إليها وأنكى فيها ، وخرّب السور ، وطلع الناس إليها ، وأمسكوه في يوم الاثنين الثاني عشر من صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة ، وجزّوا رأسه ، وجهّزوه مع الأمير سيف الدين ، وقلت أنا فيه : ( البسيط ) أعوذ باللّه ممّا راح يعكسه ال * باري تعالى وما يجري به الفلكا كأحمد النّاصر بن النّاصر انعكست * سعوده عنه حتّى راح ما ملكا فما تمتّع بالملك المعظّم في مصر * وزال وما أبقى له الكركا 190 - أحمد بن محمد بن عثمان « 1 » القاضي صفيّ الدين ابن قاضي القضاة شمس الدين الحريري الحنفي - وسيأتي ذكر والده في المحمدين إن - شاء اللّه تعالى - . كان هذا القاضي صفيّ الدين شكلا ضخما مفرطا ، يخطئ العاقل إذا جاء في
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 714 ، والذيل التام : 153 .